ابن عربي

85

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

طلبت فاطمة زوجته الحظوة عنده بتقريب الجارية إليه ، فأمرت بإصلاح شأنها ، وأدخلتها عليه في أحسن صورة ، وقالت له : يا أمير المؤمنين ، إنك كنت بفلانة جاريتي معجبا ، وسألتنيها فأبيت ذلك عليك ، وأنا اليوم قد طبت نفسا بذلك ، فدونكها . فسرّ عمر بقولها ، وظهر الفرح في وجهه ، وازداد بها عجبا ، وفيها صبابة ، فقال لها : ألق ثوبك أيتها الجارية . فلما همت ، قال لها : على رسلك ، أخبريني لمن كنت ومن أين أنت لفاطمة ؟ قالت : كان الحجاج بن يوسف أغرم عاملا كان له من أهل الكوفة مالا ، وكنت في رق ذلك العامل ، فأخذني وبعثني إلى عبد الملك بن مروان ، وأنا يومئذ صبية ، فوهبني عبد الملك لابنته فاطمة . فقال : وما فعل ذلك العامل ؟ قالت : هلك . قال : وما ترك ولدا ؟ قالت : بلى . قال : وما حالهم ؟ قالت : سيّئ . قال : شدي عليك ثوبك . ثم كتب إلى عبد الحميد عامله أن سرّح إلي فلان ابن فلان على البريد . فلما قدم عليه قال : ارفع إلي جميع ما أغرم الحجاج أباك ، فما رفع إليه شيئا إلا دفعه ، ثم أمر بالجارية فدفعت إليه ، فلما أخذها بيدها ، قال : إياك وإياها ، فإنك حديث السن ، ولعل أباك أن يكون قد وطئها . فقال الغلام : يا أمير المؤمنين ، هي لك . قال : لا حاجة لي فيها . قال : فابتعها مني . قال : لست إذا ممن ينهى النفس عن الهوى . فمضى بها الفتى . فقالت له الجارية : فأين وجدك بي يا أمير المؤمنين ؟ فقال : على حالها ، ولقد ازدادت . فقيل : إنها ما زالت في نفس عمر حتى مات ، رحمه اللّه . روينا من حديث ابن أبي الدنيا ، عن محمد بن الحسن ، عن يوسف بن الحكم ، عن عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك ، قال : بكى عمر بن عبد العزيز يوما ، فبكت لبكائه زوجته فاطمة ، فبكى أهل الدار ، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء ، فلما انجلت عنهم عبراتهم ، قالت له فاطمة : يا أمير المؤمنين ، ممّ بكيت ؟ قال : ذكرت منصرف القوم من بين يدي اللّه عز وجل ، فريق في الجنة ، وفريق في السعير . ثم صرخ وغشي عليه . بلغني عن عطاء أنه قال : كان عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته يجمع الفقهاء كل ليلة ، فيتذاكرون الموت والقيامة ، وما أعد اللّه في الآخرة ، ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة . وحدثنا يوسف في آخرين ، قالوا : حدثنا ابن بطيء ، عن حميد بن أحمد ، عن أبي نعيم ، عن أبي محمد بن حبان ، عن ابن محمد بن عمر ، عن أبي بكر بن عبيد ، حدثني حاتم بن عبد اللّه الأزدي ، عن الحسن بن محمد الخزاعي ، عن رجل من ولد عثمان ، أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه : إن لكل سفر زادا لا محالة ، فتزوّدوا لسفركم من